الفلسفة خلف تحليل المشكلات
لماذا تحدث المشاكل؟ ولماذا نُخطئ في فهمها؟
في قلب كل مؤسسة، مهما كان حجمها أو قوتها، تنشأ سلسلة من القرارات، التحركات، والأحداث اليومية التي تتراكم لتشكّل قصة النجاح… أو بداية الفشل.
وبين النجاح والفشل تقف المشكلات. ليست المشكلات بحد ذاتها خطرًا، بل الطريقة التي نفهمها.
ورغم التطور التكنولوجي، وتقدم نظم المعلومات، وتوفر كميات هائلة من البيانات، لا تزال الكثير من الشركات تُعاني من الأخطاء ذاتها، وتكرّر الهدر ذاتها، وتواجه التحديات ذاتها.
والسبب ليس نقص الأدوات… بل نقص الفلسفة الصحيحة لتحليل المشكلة.
في هذا المقال، سنغوص في العمق… ليس في الأدوات أو المخططات، بل في العقل التحليلي الذي يجب أن يسبق الأدوات جميعًا.
هذا الأساس الفكري هو ما يميز المحلل العادي عن المحلل القادر على الوصول إلى جذور المشكلة، وتغيير مسار المؤسسة.
ما معنى تحليل المشكلة؟ وما معنى تحليل السبب الجذري؟
عندما نسمع كلمة “مشكلة” يذهب تفكيرنا مباشرة إلى:
❌ النتائج السلبية
❌ الخطأ المباشر
❌ الشخص المسؤول
❌ الإجراء الذي يجب إصلاحه
لكن تحليل المشكلة لا يبدأ في هذه النقطة إطلاقًا.
تحليل المشكلة هو عملية تفكيك الموقف إلى عناصره الأصلية، وفهم:
ماذا حدث؟
لماذا حدث؟
كيف حدث؟
وهل ما نراه هو الحقيقة أم مجرد عرض سطحي؟
أما تحليل السبب الجذري (Root Cause Analysis – RCA) فهو مستوى أعمق منه، يركّز على:
السبب الأول الذي أدى إلى تسلسل الأحداث
المحرك الحقيقي خلف النتيجة
النقطة التي لو تغيّرت، ستتغيّر كل النتائج
بمعنى آخر:
تحليل المشكلة = قراءة الحدث
تحليل السبب الجذري = قراءة القصة التي صنعت الحدث
لماذا تحدث المشاكل أصلًا؟
المشاكل لا تظهر فجأة.
هي نتيجة تفاعل نظام كامل من:
أشخاص
عمليات
معدات
بيئة
سياسات
قرارات
توقعات
وكل عنصر له احتمالية أن يخلق مشكلة، خاصة عندما يتفاعل مع غيره بطريقة غير متوقعة.
لذلك، المشكلة ليست “خطأ موظف”، ولا “تعطل جهاز”، ولا “قرار غير موفق” فقط… بل مجموعة ظروف اجتمعت لتنتج ما نراه اليوم.
الفلسفة الجوهرية وراء تحليل المشكلات تقول:
المشكلة ليست حدثًا… بل نتيجة.
والنتيجة دائمًا لها سبب.
والسبب دائمًا له جذور.
الفرق بين
الأعراض Symptoms – المسبّبات Causes – السبب الجذري Root Cause
هذا من أكثر المفاهيم التي يَسقط فيها حتى المديرون الكبار.
🔸 الأعراض — ما نراه
هي النتائج الظاهرة، مثل:
انخفاض المبيعات
ارتفاع الأخطاء
تأخر التسليم
شكاوى العملاء
تكرار الأعطال
هذه ليست مشكلة… بل علامات على وجود مشكلة.
🔸 الأسباب المباشرة — ما نلمسه
هي التفسيرات السريعة مثل:
الموظف غير مدرب
النظام بطيء
العملية معقّدة
العميل لا يتعاون
المورد تأخر
هذه كلّها أسباب محتملة… لكنها ليست الجذر.
🔸 السبب الجذري — ما يجب تغييره
هو العامل الحقيقي الذي لو أزلناه…
ستنتهي المشكلة ولن تتكرر.
أمثلة:
الموظف غير مدرب؟ الجذر = لا توجد سياسة تطوير.
النظام بطيء؟ الجذر = ضعف البنية التحتية أو سوء تصميم العملية.
تأخر التسليم؟ الجذر = التخطيط يعتمد على توقعات غير واقعية.
السبب الجذري ليس دائمًا واضحًا… وغالبًا ليس مريحًا.
لماذا تفشل المؤسسات في تحليل المشكلات؟
لأن الإنسان بطبيعته يميل إلى التفسير السريع… لا التحليل العميق.
والمؤسسات التي تعتمد على الانطباعات بدل الأدلة غالبًا ما تقع في خمسة أخطاء قاتلة:
القفز إلى الحلول Jumping to Solutions
قبل أن نفهم المشكلة، نبدأ في اقتراح حلول.
هذا يؤدي إلى معالجة مؤقتة، لا دائمة.
الاعتماد على الخبرة بدل البيانات
الخبرة مهمة… لكنها ليست كافية لتفسير مشكلة مركبة.
البحث عن “المذنب” بدل البحث عن السبب
ثقافة اللوم أسوأ عدو لتحليل المشكلات.
اعتبار المشكلة “حادثًا منفصلًا”
بينما الحقيقة أنها عادة مؤشّر لنظام يحتاج تحسين.
عدم التمييز بين العرض والسبب
إصلاح الأعراض يجعلك تعيش في حلقة لا تنتهي من العمل العلاجي بدل الوقائي.
لماذا يُعدّ تحليل المشكلة أهم استثمار ذكي تتخذه المؤسسة؟
لأن الوصول إلى السبب الجذري يعالج مشكلات:
الكلفة
الجودة
الوقت
الكفاءة
رضا العملاء
الإنتاجية
السلامة
المخاطر
ولأن كل مشكلة غير محلولة تُنتج أخرى، يصبح تحليل الأسباب الجذرية أحد أهم أدوات:
التحسين المستمر
إدارة الجودة
اتخاذ القرار
التخطيط الاستراتيجي
تطوير العمليات
إدارة الموارد
منع الهدر Waste Elimination
المؤسسة التي تتقن تحليل المشكلات، تتقن المستقبل.
لماذا نحتاج فلسفة قبل الأدوات؟
لا قيمة لأي مخطط سواء كان : باريتو، عظم السمكة أو غيرها من أدوات ، إذا لم يكن هناك منطق تحليلي يوجه استخدامه.
الأداة تساعدك على التفكير… لكنها لا تفكّر نيابة عنك.
وجود الفلسفة يعني:
رؤية المشكلة باعتبارها جزءًا من نظام.
فهم التفاعلات بدل النظر للأجزاء منفصلة.
تحليل العلاقات السببية وليس الاكتفاء بالظاهر.
اتخاذ قرار مبني على البيانات وليس الانطباعات.
هذه الفلسفة هي الأساس…
والأدوات تأتي لاحقًا لإكمال المشهد.
و بعد أن أدركنا الأساس الفكري والعمق الفلسفي لتحليل المشكلات، سوف ننتقل في المقال القادم إلى خطوة مهمة:
التمييز بين:
أولًا: منهجيات حل المشكلات Problem-Solving Methodologies
ثانيًا: أدوات حل المشكلات Problem-Solving Tools
وثالثًا: أدوات تحليل السبب الجذري Root Cause Analysis Tools
سنكشف كيف تختلف هذه الطبقات الثلاث، ومتى نستخدم كل منها، ولماذا يؤدي الخلط بينها إلى تشخيص خاطئ وقرارات مضللة.

Add comment